أخبــاربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

بيونغ يانغ تفتح جبهات جديدة.. النووي والعملات المشفرة في مواجهة واشنطن

تكشف سرقة أصول رقمية بقيمة 6.3 مليار دولار من منصة «باينانس»، أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم، عن تحول متزايد في طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة، مع اتساع الاتهامات الموجهة إلى كوريا الشمالية بالاستعانة بالقرصنة الإلكترونية للحصول على موارد مالية خارج النظام المصرفي الدولي.

وبحسب المعلومات الواردة عن العملية، استغرق تنفيذ الهجوم نحو 20 دقيقة، وهي مدة قصيرة أثارت تساؤلات بشأن مستوى التحضير المسبق، ومدى معرفة المهاجمين بالأنظمة الداخلية للمنصة، وقدرتهم على استغلال نقاط الضعف فيها قبل اكتشاف الاختراق واحتوائه.

ولا تقتصر أهمية الحادثة على حجم الأموال المستهدفة أو الخسائر المحتملة، بل تتصل أيضاً بالتحديات التي تفرضها الأنشطة السيبرانية على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تواجه فيه بيونغ يانغ عقوبات دولية بسبب برامجها النووية والصاروخية.

وتتهم واشنطن كوريا الشمالية بتطوير أنشطة قرصنة تستهدف المؤسسات المالية ومنصات العملات المشفرة، بهدف الحصول على أموال يمكن استخدامها في تمويل أولويات الدولة، بما فيها البرامج العسكرية، والالتفاف على القيود المفروضة عليها.

اتهامات أمريكية وتحفظ من ترامب

عقب اكتشاف الاختراق، سارعت منصة «باينانس» إلى تعليق عمليات السحب واتخاذ إجراءات لاحتواء الحادثة، فيما اتهم مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) كوريا الشمالية بالوقوف وراء الهجوم، محدداً مجموعة القرصنة المعروفة باسم «تريدر ترايتور» باعتبارها الجهة المسؤولة عنه.

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى تحفظاً على هذا الاستنتاج، قائلاً إنه لا يعلم ما إذا كانت بيونغ يانغ مسؤولة عن الاختراق، وإن السلطات الأمريكية لا تزال تجمع المعلومات المتعلقة بالحادثة.

وأعاد هذا التباين تسليط الضوء على صعوبة تحديد الجهات التي تقف وراء الهجمات الإلكترونية، خصوصاً عندما تعتمد على عمليات معقدة تستهدف أنظمة مالية عابرة للحدود، وتستخدم وسائل متعددة لإخفاء هوية المنفذين ومسارات الأموال.

كما أثار الاختراق تساؤلات بشأن قدرة منصات التداول الكبرى على حماية أصول بمليارات الدولارات، في ظل اعتمادها على أنظمة داخلية مترابطة تتيح تنفيذ معاملات ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة.

ويرى مختصون أن قصر المدة التي استغرقها الهجوم قد يشير إلى إعداد مسبق ومعرفة تفصيلية بالأنظمة المستهدفة، بدلاً من كونه عملية عشوائية قائمة على استغلال ثغرة تقنية واحدة.

سجل طويل من استهداف المؤسسات المالية

لا يُعد اسم «تريدر ترايتور» جديداً في سياق الهجمات الإلكترونية المنسوبة إلى كوريا الشمالية، إذ ترتبط المجموعة بشبكة قرصنة أوسع تُعرف باسم «لازاروس»، والتي نسبت إليها السلطات الأمريكية أنشطة إلكترونية استهدفت شركات ومؤسسات مالية في دول مختلفة.

وبرزت «لازاروس» على نطاق واسع عام 2014، عندما اتهمتها الولايات المتحدة باختراق شركة «سوني بيكتشرز»، في حادثة ارتبطت بفيلم «ذا إنترفيو» الساخر من الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

ومع مرور السنوات، توسعت الأنشطة المنسوبة إلى الشبكة لتشمل منصات العملات المشفرة وشركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية، مع استخدام أساليب لا تقتصر على اختراق الأنظمة التقنية، بل تمتد إلى استغلال الموظفين والموردين للوصول إلى البنية الرقمية المستهدفة.

وفي نيسان 2022، نسبت السلطات الأمريكية إلى قراصنة كوريين شماليين سرقة نحو 620 مليون دولار من شبكة «رونين»، المرتبطة بلعبة «أكسي إنفينيتي». وبعد أشهر، تعرض جسر «هارموني» التابع لشبكة «هورايزون» لسرقة نحو 100 مليون دولار.

وفي أيار 2024، اتهمت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان قراصنة من كوريا الشمالية بالوقوف وراء سرقة نحو 308 ملايين دولار من منصة «دي إم إم بيتكوين» اليابانية.

وكشفت التحقيقات المتعلقة بتلك العملية عن استخدام أساليب احتيالية، من بينها انتحال صفة مسؤول توظيف للتواصل مع موظف لدى شركة تقدم خدمات برمجية لإدارة المحافظ الرقمية، وإرسال برنامج خبيث إليه تحت غطاء اختبار وظيفي.

وتوضح هذه الحوادث أن الهجمات لا تعتمد دائماً على اختراق مباشر للأنظمة، بل قد تبدأ باستهداف العاملين في الشركات أو الجهات التي تتعامل معها، بهدف الوصول إلى الحسابات والبرمجيات التي تتيح التحكم بالأصول الرقمية.

العملات المشفرة مصدر للموارد خارج النظام المصرفي

تتجاوز تداعيات هذه العمليات الخسائر المالية التي تتكبدها منصات التداول، بالنظر إلى الاتهامات المتعلقة باستخدام عائداتها لتوفير موارد مالية لكوريا الشمالية في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وتتهم واشنطن بيونغ يانغ بتوظيف القرصنة الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة وعمليات غسل الأموال للحصول على تمويل لأنشطة الدولة، بما في ذلك برامج تطوير الأسلحة.

وفي تقييم التهديدات السنوي لعام 2026، ذكرت الاستخبارات الأمريكية أن عمليات سرقة العملات المشفرة المنسوبة إلى كوريا الشمالية بلغت نحو ملياري دولار خلال عام 2025، مشيرة إلى أن هذه الأموال تساعد النظام في تمويل أولوياته، ومن بينها تطوير قدراته العسكرية الاستراتيجية.

وتوفر العملات المشفرة، وفق هذه التقديرات، مسارات مالية بديلة يصعب إخضاعها لآليات الرقابة المصرفية التقليدية، ولا سيما عندما تُنقل الأصول عبر شبكات متعددة أو تُستخدم خدمات خلط العملات ومنصات التبادل لإخفاء مصادرها ومسارات انتقالها.

ومن هذا المنطلق، تكتسب سرقة «باينانس» أهمية تتجاوز استهداف شركة خاصة، إذ تعيد طرح المخاوف من تحول البنية المالية الرقمية إلى قناة للحصول على الأموال بعيداً عن القيود والعقوبات الدولية.

وفي ظل استمرار الاتهامات الأمريكية لبيونغ يانغ، تبرز الهجمات السيبرانية باعتبارها أحد الملفات التي تتداخل فيها التحديات المالية والأمنية والعسكرية، لتضيف إلى الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي جبهة أخرى في العلاقات بين واشنطن وكوريا الشمالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى